القاضي عبد الجبار الهمذاني
92
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فصل في بيان فائدة النسخ وحقيقته اعلم . . . أنا قدمنا في معنى النسخ ما يغنى ، من حيث كشفنا عن العبادات ، ما يستمر وما لا يستمر ، وما يجوز أن يزول إلى بدل ، وما يزول لا إلى خلافه ؛ وهذا هو معنى النسخ ؛ فأما ما نفيده بهذه اللفظة فقد علمنا أن العبادة الشرعية إذا لزمت بدليل ، فالدليل على ضربين : أحدهما : يتناول عبادة واحدة ، فمعنى النسخ لا يصح فيه ؛ والآخر : يتناول تكريرها والاستمرار عليها ، على الوجه الّذي يقتضيه الدليل ، لأنه ربما اقتضى استمرار المكلف عليها ، في أوقات مخصوصة ، أو من دون أوقات ؛ وعلى شرائط مخصوصة ، وعلى خلافها ، فمتى كان ظاهر الدليل يقتضي التكرير والإدامة ؛ على بعض الوجوه ، بعد أن قطع ذلك على الحدّ الّذي يقتضيه الدليل ، قد يكون بمقدمة عقلية ، وقد يكون بأن تقتضيه قرينة الدليل حتى لا يفارق ؛ وقد يكون بدليل مستقبل ، فمتى كان بالوجهين الأوّلين لم نسمه نسخا ، ومتى كان بالوجه الثالث نسميه نسخا ، لنفرق بين ما يقتضي زوال الاستمرار والتكرار إذا كان مع الدليل ، وبينه إذا لم يكن مع الدليل ، بل عرض بعده ، ولنفرق بين أن ينقطع بوجه كان لا يجوز أن لا ينقطع به ، وبين أن ينقطع بوجه كان يجوز أن لا ينقطع ؛ وهذه العبارات توضع للفروق ، فإذا ثبت ما ذكرناه من الفرق بين أن ينقطع استمرار التكليف عن المكلف ، أو المكلفين بمقدمة عقلية لا يجوز خلافها ، أو بقرينة للدليل ، لا ينتظر خلافه ، وبين أن ينقطع بأمر منتظر سمعي يجوز وروده كتجويز أن لا يرد ، فغير ممتنع أن نصف هذا الوجه بأنه نسخ ، للتفرقة بينه وبين